سيد محمد طنطاوي

157

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد حكى القرآن في مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . « 1 » . وقوله - تعالى - : وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا ، أَبَعَثَ اللَّه بَشَراً رَسُولًا « 2 » . وقوله - تعالى - ذلِكَ بِأَنَّه كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا ، فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنَى اللَّه واللَّه غَنِيٌّ حَمِيدٌ « 3 » . والمراد بأهل الذكر في قوله « فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون » علماء أهل الكتاب أي : لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ومكان ، فإن كنتم في شك من ذلك - أيها المكذبون - فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى ، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة . وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله - تعالى - * ( وما أَرْسَلْنا . . ) * وبين قوله بعد ذلك : * ( بِالْبَيِّناتِ والزُّبُرِ . . ) * للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال شبهتهم ، لأنه قد احتج عليهم ، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وفي قوله - تعالى - * ( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر ، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة ، والتمويه لتضليل الجهلاء ، ولذا جيء في الشرط بحرف « إن » المفيد للشك . وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف ، دل عليه ما قبله . أي : إن كنتم لا تعلمون ، فاسألوا أهل الذكر . وقيل المراد بأهل الذكر هنا : المسلمون مطلقا ، لأن الذكر هو القرآن ، وأهله هم المسلمون . ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم ، كما في قوله - تعالى - إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ إلا أن المراد بأهل الذكر هنا : علماء أهل الكتاب ، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، أكثر من استفسارهم من المسلمين .

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية 109 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 94 . ( 3 ) سورة التغابن الآية 6 .